حقائق مخفية عن علاقة البعث

 

الجزء الأول

أيليا زغيب

 

زهير كاظم عبود

 

       بدأت تظهر الى الناس القليل من الحقائق التي عمدت السلطات والقيادات الحزبية البعثية  أخفائها في العراق أو أقطار عربية أخرى  ، وكثيراً ماعمت الشائعات العراقية حول وجود علاقات مشبوهة للبعث وبعض من قياداته بالمخابرات المركزية والقوى الأستخبارية  الأجنبية ، والتي أستطاع البعث   من خلال التعاون معها أن يحكم العراق في فترتين مظلمتين من التاريخ السياسي العراقي الممتليء بالدم والموت والتخلف والتجاوزات على القانون والتعدي على الشعب العراقي وتدمير ثرواته الأنسانية والطبيعية وقيمه الأجتماعية   ،  قيل الكثير عن القطار الأمريكي والقطار البريطاني ونقل عن امين سر  القيادة القطرية في حينها  السيد   علي صالح السعدي   الكثير من الأقاويل والأسرار التي كان يتحدث  بها أثناء جلساته المسائية حين يدب دبيبها الى موطن الأسرار   ولايوقفها أحد كما يعرف الكثير من أهل العراق ،  وقد رحل السيد علي صالح السعدي عن الدنيا  بعد أن كان قبلها قد  ترك التنظيم البعثي وأتجه الى أفكار سياسية أخرى مبتعداً عن البعث  ، ولكن عقدة الأسرار بقيت تلاحقه وتربك حياته فأفقدته التوازن والشخصية وتوفي حاملاً أسراره وأسرار الكثير من رجالات البعث  وتاريخه معه  ، القليل من هذه الأسرار فضحته الصدفة وساهمت ردة فعل القيادي القريب من القرار والسلطة في تسليط الضوء  والأشارة اليه ، كما كانت  صحوة الضمير التي صحاها القليل قبل أن يرحل  في أعادة مراجعته لنفسه وضميره  وما ارتكبه من افعال  والتي انتابت بعض قيادات البعث العراقي  ، والتي أقدمت عليها عناصر قيادية بعثية تراجعت عن عملية  الأستمرار في  كتم الأسرار وتغييب الحقيقة وعدم الأعتماد  على خلط الأوراق في كل حين  ، الا ان بعض القيادات التي أصبحت معزولة وفقدت علاقتها بالسلطة وسنحت لها الفرصة لتراجع نفسها والتي شعرت  بتأنيب ووخزة الضمير تجاه ماساهمت به يديها من خطايا بحق شعب العراق والأمة العربية والأنسانية  ،  وخاصة أذا شعرت هذه القيادات أنها باتت قريبة من قدرها وأنها ستواجه ربها لتترك خلفها أمام الله والشعب الحقيقة مكتوبة أو منقولة لأحد من ألامناء على الأسرار  ، ظهرت العديد من المذكرات التي تكشف خفايا وأسرار ارتباطات وأسماء وعلاقات مشبوهة ، وأذا كنا نريد أن ننتقي أكثرها قرباً الى القرار السياسي البعثي وتأثيراً في سلطة البعث ، فأن قياديين غابوا وغابت معهم أسرارهم  وأسماء عديدة أنتحر بعضهم وتم تغييب الآخربشتى الأساليب والطرق  وأنتهت اسماء دون سبب ونسي الناس أسماء أخرى لتعمد السلطة أن تجعلهم منسيين وغائبين عن الذاكرة العراقية  ، وبقيت أمامنا مذكرات لعدد من القياديين البعثيين الذين تركوا بصماتهم على حركة وتاريخ الحزب والسلطة في العراق  ،  وخصوصاً المذكرات التي كتبها الراحل هاني الفكيكي والراحل طالب شبيب وهما من  اعلى القيادات الحزبية في تاريخ حزب البعث العراقي  أذ كان كلاهما عضوين في القيادة القطرية للحزب  ، ولكن بعض المصادر التاريخية والتي أشارت الى   وجود علاقات مبهمة وسرية ويحيطها الغموض لم تكشفها الدوائر التي تعاملت مع هذا الحزب بالرغم من تبجح بعض القياديين أن لاشيء نشر بهذا الصدد لحد الآن ، في حين أن لغز أختفاء بعض الأشخاص من المتعاملين مع الدوائر الأستخبارية الأجنبية  من الوجود دون أن يتعرف أحد على  مصيرهم أو الأستعجال في قتل بعض منهم دون سبب مقنع ودون تبرير للدافع الحقيقي  للقتل المستعجل والسريع ليؤكد بما لايقبل الشك أن جهة ما  تريد التخلص من هذه الأسماء حتى يبقى دورها سراً محيراً ولغزاً من الغاز العلاقة بين البعث والمخابرات الأجنبية ودورها في العراق .

والأسماء التي تتناولها الحلقات الثلاث على سبيل المثال لاالحصر ، فثمة معلومات أخرى سيكشفها المنقبين في زوايا التاريخ العراقي ، وسيكشفها الزمن والأجيال اللاحقة وماستكشفه دوائر المخابرات الأجنبية بعد مرور فترة محددة عليها ، بالأضافة وهي الأهم تأنيب الضمير وأعترافات المعنيين كشهادة واضحة من شهادات تاريخ العراق السياسي المعاصر .  

 

أيليا  زغيب من اصل لبناني ويحمل الجنسية الأمريكية وهو صديق شخصي مقرب جداً  من ميشيل عفلق ويزيد من تقاربهما كونهما من مذهب واحد ومدرسة واحدة  ، وكان  زغيب على علاقة شخصية بعراقيين منهم على سبيل المثال  السيد  فيصل حبيب الخيزران الذي كان يقيم في بيروت في الخمسينات ومن خلاله استطاع التعرف على عدد من الطلبة والسياسيين العراقيين  ، وكان زغيب حينها يقوم بالعمل  في المركز الثقافي الأمريكي ببيروت ، ويهتم بقضايا المنطقة العربية ويتابعها بأهتمام من خلال تقاريره المرفوعة للمركز عن هذه القضايا حسب ماتقتضيه مهمته المناطة به في المركز المذكور .

ومن ضمن أهتماماته الأطلاع على شؤون المنطقة العربية والقضايا والمشاكل التي يعاني منها العراق بشكل خاص ومتابعتها بشكل دقيق  ومعرفة الواقع السياسي العراقي  ، وكان زغيب يتعاطف مع افكار ميشيل عفلق وافكار البعث دون ان يكون قائداً ميدانياً او أن يكون  واجهة قيادية من شخصيات البعث  ودون أن يجازف بالأنتساب الى هذا الحزب . 

ومن ضمن أهتمامات السيد زغيب   أقامة العلاقات الوطيدة مع الطلبة الدارسين أو المتواجدين على الساحة اللبنانية  من العراقيين   في تلك الفترة  سواء منهم السياسيين او غيرهم ، ومن اجل التوصل الى أقامة مثل هذه العلاقة ينبغي على السيد زغيب أقامة الدعوات والحفلات ( الخاصة ) لجذب أهتمام وانتباه العراقيين في بيروت .   ومن خلال تلك الدعوات يسحب السيد زغيب المعلومات والأخبار والمستجدات عن الأوضاع العراقية بأساليب ناعمة ودون أن تنكسف نيته للمقابل  .

 

       كان السيد ايليا زغيب يعمل في هذه المؤسسة  الأمريكية ذات الواجهة الثقافية  في بيروت  قبل انتقاله للعمل في الجامعة ، وهذه المؤسسة تدور الأقاويل والشكوك حول عملها الأستخباري ومهمتها السياسية لصالح المخابرات المركزية في المنطقة ومقرها بيروت  ، ولم يكن السيد زغيب سوى عامل فاعل ضمن هذه المؤسسة ويتحرك بالتناغم والأنسجام معها ، وعلى هذا الأساس تم تكليفه بالأتصال بالطلبة والسياسيين القوميين العراقيين والعرب في بيروت ومعرفة افكارهم ومايدور في مخيلتهم من خلال الحفلات والدعوات التي يقيمها في شقته  المستأجرة له من قبل المؤسسة الثقافية الأمريكية التي كانت تعمل للحد من انتشار النشاط الماركسي الشيوعي  في المنطقة ، هذا الفكر  الذي بدأ يأخذ مساحة كبيرة بين أوساط الناس في الأقطار العربية بالنظر لانتشار مجاميع الفقراء والمعدمين والعمال والفلاحين والمضطهدين طبقياً وأجتماعياً ودينياً  في هذه البلدان ، ويسكن السيد زغيب الشقة التي يقيم فيها دعواته  والتي غالباً ماسكنها السيد ميشيل عفلق الذي تعرف عليه عن طريق المسؤول الاقليمي لوكالة المخابرات المركزية في الشرق الأوسط الذي حضر الى بيروت اكثر من مرة واجتمع بالسيدين زغيب وعفلق أجتماعات مغلقة تم تدوينها في محاضر المؤسسة ، غير أن السيد زغيب تحدث بها الى احد الدارسين العراقيين بعد انقلاب 8 شباط 63 في العراق قبل ان يختفي نهائياً .

وكثيراً ماكان يحضر السيد ميشيل عفلق تلك الأجتماعات والحفلات ويتعرف على الموجودين ضمن تلك الدعوات من العراقيين ، ومن الأسماء التي دعيت الى مثل تلك الدعوات وحضرها  كل من السيد سعدون حمادي لولاح ( الذي اطلقت القوات الأمريكية التي تحتل العراق الآن  سراحه دون باقي المتهمين من أقطاب العهد الصدامي البائد)   والسيد هاني الفكيكي وأديب الجادر  والسيد طالب شبيب وفيصل حبيب الخيزران والسيد ناصر الحاني  والسيد خير الدين حسيب  وآخرين غيرهم من قيادات البعث  أو من القوميين  أو من الذين أسسوا حركة البعث في العراق .

يقول المرحوم طالب شبيب في كتاب علي كريم سعيد  عراق 8 شباط 63 الصفحة 270  :

 ((    كنا نتهامس انا وأديب الجادر ونلمح لبعضنا بشكوك حول احتمال أن تكون للرجل علاقة بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية  ،  بل وصلنا الى قناعة بانه لايمكن ان يكون بعيداً عن ذلك ))    .

استغل السيد أيليا زغيب الأجواء السياسية والثقافية في بيروت في فترة  الخمسينات وتواجد أعداد من العراقيين وأكثرهم من  الطبقات المتمكنة مادياً ومن ابناء الأثرياء والأقطاعيين والموظفين الكبار في المملكة العراقية ليعمل بين اوساطهم دون ان يلمس أي أستياء أو استغراب وأستهجان بالنظر للأسلوب الذكي والدقيق في العمل وبالتنسيق مع ميشيل عفلق الذي كان يتنقل ضمن الدائرة التي يرسمها ايليا زغيب لهوبالنظر للنزعات القومية والوطنية التي تطغي على مشاعر المذكورين  ، حتى أن الرجل أمتثل لأمر أيليا زغيب بتغيير مسكنه حيث رفض عفلق السكن مع أي من الطلاب والسياسيين العراقيين والعرب عند بحث قضية تغيير مسكنه حفاظاً على سرية المسكن من المكتب الثاني للمخابرات السورية واللبنانية   وفضل  السكن مع عرابه وزميله   ايليا زغيب في منطقة  ( برمانا ) .

وبقيت علاقة زغيب مستمرة مع تنظيمات حزب البعث الجديدة دون ان تكون له صفة حزبية او قيادية معروفة ، غير أن للرجل تأثير شخصي  كبير على مؤسس حزب البعث ، فقد أشار أكثر من كاتب وباحث الى هذا الأمر وكون عفلق كان ينقاد الى تعليمات أيليا زغيب بشكل ملحوظ وواضح .

ولهذا فقد اصبح السيد زغيب حلقة الوصل بين القيادة القومية لحزب البعث وبين القيادات العراقية في بيروت دون أن تسأل هذه القيادات نفسها عن علاقة زغيب بهذه المهمة أو عن الدرجة الحزبية التي يشغلها زغيب في التنظيم أو صفته السياسية  ،   وكان السيد طالب شبيب هو  صلة الوصل بين التنظيم وبين ايليا زغيب في بغداد   وفق ماذكره الكاتب علي كريم سعيد في كتابه ( من حوار المفاهيم الى حوار الدم ) الصفحة 271 .

وقبل  قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق تقدم السيد ايليا زغيب بطلب الى الحكومة العراقية عارضاً خدماته كأستاذ جامعي للمساهمة في عملية النهوض العلمي للحكومة العراقية  كما ورد بطلبه المقدم الى الجامعة ، وحقاً كانت الكليات والجامعة العراقية تشكو من قلة الكادر العلمي فتم قبول طلبه ، وحضر الى بغداد للعمل منتدبا من   الجامعة اللبنانية  كأستاذ جامعي في جامعة بغداد .

وبقي السيد أيليا زغيب يتحرك بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 وأزدادت أتصالاته بأسماء محددة ومعروفة ومؤثرة في حركة البعث في العراق .

وبقي السيد زغيب يتحرك في بغداد ويكثر من اتصالاته بالأسماء التي حفظها وأنتقاها من خلال علاقاته بالدارسين والسياسيين في بيروت مستغلاً سهولة  حركته وقدرته على التنقل في بغداد التي تعج بالتطاحن السياسي وأختلاط العديد من الأمور مستغلاً علاقته بالسيد طالب شبيب وبعض الأسماء العراقية في تغطية الحركة ومد جسور العلاقات مع بعض الأوساط في العاصمة العراقية   ، غير أن السيد زغيب لم يغب عن بال الأمن العراقي ومديرية الأستخبارات العسكرية  حيث كان تحت الرصد الدقيق في حركته وأتصالاته وعلاقاته بالأسماء المشبوهة بالتعامل مع المخابرات المركزية التي يتصل بها ، حيث تم اعداد ملفين له ممتلئة بالتقارير الأمنية التي تشير وتؤكد علاقة الرجل بالمخابرات المركزية ، وقد اكد هذه المعلومات المرحوم هاني الفكيكي في كتابه اوكار الهزيمة ،  وقد عرضت التقارير على عبد الكريم قاسم باعتباره القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع الا انه اوصى بتشديد المراقبة عليه ورفع المعلومات عنه بدقه وأبقاءه في العراق وأستمرار تعاقده مع جامعة بغداد ، ربما كان قاسم يريد أن يتم القبض على زغيب متلبساً بالجرم المشهود .

كانت التقارير تشير الى أن للسيد ايليا زغيب علاقات وطيدة مع اربعة اشخاص في العراق يزورهم في بيوتهم ، اتضح أن الأسماء هم صالح مهدي عماش ومحمد المهداوي وناصر الحاني وعلي عبد السلام ، الأخير كان من اهالي منصورية الجبل ويتردد على بغداد ولم يتعرف احد على المكان الذي يقيم فيه وسنفرد حلقة خاصة للتحدث عنه  تفصيليا .

بقيت حركة ايليا زغيب مرصودة ولم يتم الغاء عقده في جامعة بغداد ، غير انه غاب عن الدوام في الجامعة دون ان يشير  احد ما اذا كان قد غادر العراق من عدمه فأنذرته الجامعة بأعلان في الصحف العراقية بلزوم الدوام وبعكسه يعتبر مستقيلاً من العمل وهو ما صار عملياً  ، حتى حدوث انقلاب شباط 1963 .

القادة البعثيين ممن لم يخشوا الحقيقة ادلوا بشهادتهم عن ايليا زغيب ، فقد سرد السيد هاني الفكيكي في كتابه (  أوكار الهزيمة  ) ماعرفه وماتجمعت لديه من شكوك بحق الرجل ، كما أفاد بمثل هذا الأمر االسيد  طالب شبيب في مذكراته ضمن كتاب الدكتور علي كريم سعيد  عراق 8 شباط 63 ، الا أن السيد حازم جواد  القيادي السابق في البعث العراقي لم يشأ أن يذكر السيد ايليا زغيب بخير أو بشر بالرغم من معرفته الوثيقة بالرجل وأجتماعه به مرات عدة سواء في بيروت أو في بغداد وبالرغم من معرفته بأسرار كثيرة تخص الرجل الا انه آثر التغطية وتجاوز التحدث عنه  ، الا أنه قام بسرد علاقة علي عبد السلام المشبوهة بصدام التكريتي حين أقدما بمصاحبة السيد حاتم حمدان العزاوي لمقابلة القنصل البريطاني في البصرة  قبل حصول انقلاب 17 تموز 1968 ، والحقيقة التي يخشى السيد حازم جواد أن يذكرها أن المقابلة جرت في البصرة بحضور صدام كممثل لحزب البعث ( الجناح اليميني في العراق ) وعلي عبد السلام بأعتباره خيط الأرتباط بين المخابرات البريطانية وجماعة البعث في العراق في حين بقي حاتم  حمدان العزاوي في مقهى البدر المطلة على شط العرب في منطقة كورنيش البصرة ينتظر قدومهما مايشير الى تدخل المخابرات البريطانية في الأنقلاب الذي جاء به وزيراً في السلطة ، وكونه يمثل جزء من منظومة العاملين تحت هذه الذريعة وهذا السبب .

وبأمكان السيد حاتم حمدان  العزاوي الذي عمل مع صدام رئيسا لديوان رئاسة الجمهورية ،  وكان من المساهمين في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد عام 59 والتي فشلت بعد أصابته بأطلاقه في يده  ،  أن يدلي بشهادته بالوقت الحاضر وخصوصاً انه في ايامه الأخيرة  لأصابته بالسرطان قبل أن يترك الدنيا ويواجه ربه بدلا من أن يكتم الحق فيعذبه الله وتلعنه الأجيال العراقية القادمة  ، مع أن الأخبار تشير الى كتابته أعترافاً خطياً بهذا الشأن أودعه لدى زوجته لنشره بعد رحيله والله اعلم .

وحين نجح انقلاب شباط 63 وجد الأنقلابيون ملفاً على طاولة الزعيم عبد الكريم قاسم بوزارة الدفاع يخص الدكتور ايليا زغيب الأستاذ اللبناني المنتدب للتدريس في العراق ، فحولوا الملف الى لجنة مشكلة من المقدم محمد يوسف طه والمقدم علي عريم وجعفر قاسم حمودي لدراسة ماورد في الملف من تقارير وأدلة  وتقديم خلاصة ورأي به  الى المجلس الوطني لقيادة الثورة ، وبقي الملف لدى جعفر قاسم حمودي حتى قيام انقلاب 18 تشرين الثاني 63 وبعده اختفى الملف !!   دون ان يعرف احد سر اختفاء الأضبارة وتوفي جعفر قاسم حمودي بعد ان تم اقصاءه وتحجيم دوره الى درجة النسيان  !!

وخلال حكم البعث بعد انقلاب شباط 63 تنقل ايليا زغيب بين القيادات البعثية في بغداد ، وكانت علاقته بصالح مهدي عماش وطيدة ، وكان للرجل دور مهم في تفقد القيادات البعثية والألتقاء بها  وأهمية الأشخاص الذين يتصل بهم بحكم ارتباطه بأجهزة المخابرات الاجنبية التي تتطلب مدها بالمعلومات والتحليلات والمستجدات في الساحة العراقية ،  وبقي يستخدم اساليب استثنائية في التقرب اليهم وادامة الصلة بهم ومدهم بالأفكار والخطط التي يراها من وجهة نظره لصالح سلطة البعث في العراق وأدامة السيطرة على السلطة  .

وحين افتضح امر ارتباطه وعلاقاته المشبوهه  لشريحة كبيرة من العراقيين التي بدأت تتناقل القصص والأشاعات والأقاويل  عن أرتباط ايليا زغيب بالمخابرات الأمريكية ، وحين افتضح امره بالرغم من حالة الفوضى  التي كانت تعيشها  قوات الحرس القومي والأجهزة الأمنية في العراق حيث تفرغت تماماً لملاحقة وقتل الشيوعيين ،  بادر كل من علي صالح السعدي وهاني الفكيكي بالأتصال بطالب شبيب الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية شارحين له ماتوفر لهما من معلومات دامغة تؤكد تعامل الرجل مع المخابرات الأمريكية ، وطلبا منه  العمل للقبض   على ايليا زغيب ، لكن طالب شبيب طلب امهاله فترة من الزمن للتأكد من صحة المعلومات !!  دون أن يبرر سبب منطقي لهذه الفترة والمماطلة  متحججاً بوجود اجتماع لديه مع بعض السفراء في ذلك الوقت  ، والغريب في هذا الأتصال الذي اكده كل من الفكيكي وطالب شبيب وعلي السعدي أن الأمر لايتعلق بوزارة الخارجية للقبض على مشتبه به سيما وأن علي صالح السعدي وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الوزراء  وقيادي من قيادات البعث بالأضافة الى كون الفكيكي من قيادات البعث وبأمكانهما أن يوعزا لأي سيطرة من   سيطرات الحرس القومي للقبض على المشتبه به ،  غير انهما لم يقدما على ذلك مالم يطلبا الأذن من السيد شبيب ؟؟ دون أن يذكرا سبب ذلك صراحة ، ولم يتم القبض أو التحقيق مع السيد أيليا زغيب  ، أذ غادر الدكتور أيلي زغيب بنفس اليوم عن الطريق البري  عبر   منطقة الحدود العراقية – الرطبة – الأجفور  بالرغم من الأيعاز بمنعه من السفرمن وزارة الداخلية  لاحقاً  وخرج  عبر المنافذ الحدودية للعراق ، و دون أن تتمكن السلطات العراقية من  أعتقاله ، مما يوحي أن خبراً تسرب الى السيد زغيب بسرعة يطلب منه المغادرة والنفاذ بجلده بعد افتضاح امره ، فتم له النفاذ من المنفذ البري ، ودون أن يتم تسجيل أسمه في سجلات  المغادرة للمسافرين  عبر المنفذ الأردني  ليختفي الى الأبد   ودون أن يعرف عنه مكان ، سوى أن اشاعات انطلقت أنه اجتمع لاحقاً بميشيل عفلق في البرازيل مرة أخرى ليختفي مطلقاً  بعد ان ارسل توصيته الأخيرة بأعتماد الدكتور اللبناني الياس فرح بديلاً عنه في القيادة القومية للحزب البعثي العراقي ومن ثم مفكراً قومياً للتنظير في هذا الحزب فكان له ما اراد .

كان ظهور ايليا زغيب واختفاءه سر من اسرار العلاقة البعثية وقضية استلام السلطة التي كان زغيب كثيراً مايتحدث عنها ، وكان اللغز الأكثر حيرة أن جميع من أرتبط بهم زغيب أصبحوا قياديين في السلطة والبعث في العراق ، وأن التقارير المحفوظة في مديرية الأمن العامة العراقية والأضابير المتفرعة عنها لدى جهاز الاستخبارات العراقي قد اختفت برمتها ، حتى أن كاتباً رصيناً مثل حنا بطاطو خاض في تفاصيل تاريخ العراق السياسي لم يتطرق الى قضية أيليا زغيب  ، بالأضافة الى أختفاء الملف الذي استلمته اللجنة التي شكلتها قيادة البعث من جعفر قاسم حمودي ومحمد يوسف طه والمقدم علي عريم  عند العثور على ملف زغيب فوق طاولة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يوم 9 شباط 6391 عبد الكريم قاسم مع مرفقها تقارير الأمن التي تفيد بثبوت قناعة الأمن العراقي كون الرجل كان جاسوساً للمخابرات الأمريكية ، وكانت التقارير تشير الى علاقة زغيب بقيادات البعث العراقية وتطلب من قاسم اعتقاله أو ابعاده عن العراق ، غير أن عبد الكريم قاسم علق على بعض التقارير بخطه مايفيد أن يتم أبقاءه تحت المراقبة الدقيقة .

وفي كتاب ( اوكار الهزيمة ) للمرحوم هاني الفكيكي أشارة واضحة الى اتهام طالب شبيب بتسريب خبر نية القيادة اعتقال ايليا زغيب الذي قلل من شأن التقارير الأمنية المرفوعة عنه وعدم التسرع في تصديق كل ماتكتبه هذه الاجهزة ، وطلب تأجيل البت في الأمر ، حتى حانت الفرصة لزغيب   للأفلات من قبضة العراقيين بالرغم من منعه من السفر خارج العراق .

كان السيد ايليا زغيب سراً من أسرار  بيروت وبدأ ينفذ كالسهم ضمن تنظيمات البعث من خلال ميشيل عفلق وكان ساعده الأيمن في التخطيط ورفيق رحله عمله السياسي ، وكان حضوره الى بغداد قبل ثورة 14 تموز 1958  منتدباً للعمل كأستاذ زائر في جامعة بغداد ليس سراً  يماط اللثام عنه وعن اسبابه ودوافعه الحقيقية ، كما كان عمله ومهماته في بغداد طيلة الفترة من أنتدابه عام 57 ولغاية مغادرته العراق بعد انقلاب شباط 1963 بأشهر أيضاً فترة تكتنفها الأسرار والغموض .

كان السيد ايليا زغيب سراً من أسرار العلاقة المبهمة مع قيادات البعث وحقيقة يحاول العديد من القياديين البعثيين ان ينفوها أو يقللوا من أهميتها  أو يتفادوا الأشارة اليها  دون أن يجدوا مايسند نفيهم أمام الأسانيد والوقائع والتقارير والشهادات التي تحضر عند الأشارة الى أرتباطات الرجل المشبوهة والمغلفة بالكتمان  ، حتى أن القائد المؤسس للبعث ميشيل عفلق لم يذكره أو يتذكره مطلقاً في أي مناسبة علنية أو صريحة في مذكراته أو تصريحاته .

بعض ممن كتب بضمير مفتوح وبردة فعل من يشعر بتأنيب الضمير أورد أسم زغيب والملابسات التي احاطت أرتباطاته والشكوك التي دارت حوله وكونه ضمن دائرة الشك والأتهام في قضية عمله لصالح المخابرات الامريكية ومنهم المرحوم الفكيكي والمرحوم طالب شبيب في مذكراتهما ، اما البعض فقد بلع اسمه عبر المذكرات ولم يشأ أن يتذكره معتقداً أن الذاكرة الجمعية العراقية كانت قد نسيت الرجل وأن التاريخ لم يعد يتذكره فأقدم على تناسيه وغض الطرف عنه وعن علاقته المريبة والممتلئة بالأستفهام  كما فعل السيد حازم جواد في مذكراته المنشورة بجريدة الحياة  مؤخراً .

وعليه فقد جاء زغيب الى العراق ورحل عنه دون ان يتعرف احد على الجهة التي رحل اليها ودون ان نتعرف على المكان الذي حل فيه وما أذا كان حياً أو ميتاً فقد كانت الجهة  الوحيدة  التي تعرف  بحقيقيته الجهة التي عمل لحسابها ووظفته لصالحها بالأضافة الى معرفة السيد ميشيل عفلق بمكان اقامته .

لم يعرف عن السيد ايليا زغيب انه ارتاد نادياً اجتماعياً أو مقهى أو حفل  أو مكان عام في بغداد ، ولم يعرف أنه شوهد في الأماكن العامة ، الا انه كان يرتاد اماكن النخبة في الفنادق التي يرتادها السفراء والقناصل وكبار القوم ، كما شوهد غيرمرة يدخل نادي العلوية صحبة شخصين لم يستطع أحد التعرف عليهما أو مشاهدتهما مرة أخرى ، غير أن السيد زغيب زعم انهما من أقرباءه حضرا اليه من بيروت في اعمال تجارية .