قصة قصيرة: الصديق
سفيان الياس خلو
في هذه البقعة الضيقة والمنسية من العالم (بعشيقة) لا تعتبر أي رجل صديق بل لا يمكن أن تجد الصديق ولا هناك امرأة حقيقة خاصة بك وتحبك فعلاً لشخصك..فقط أمن بندقيتك، لا مهرب من ذلك فنحن نشبه أي شخص من متسكعي الغابة، وسوف نموت هنا في هذه البقعة بعشيقة (موطننا) البقعة التي عاش عليها أجدادنا آو ربما في مكان آخر ولسوف يدفنوننا هنا، وبعد ستة اشهر ليس إلا، سوف تترك عظامنا للديدان.. سوف لن نترك وراءنا سوى كومة من قناني الخمر الفارغة وعدد من علب السكائر الرخيصة لكي تبين للمارين بأننا عشنا هنا ولو لبضعة سنين نحصد من أخطاء غيرنا الكثير ومن أخطائنا الكثير الكثير.هذا ما كان يدور في خاطره لأعوام وهذا ما ردده مع نفسه عندما كان يدخن سيكارة لفها بصعوبة بسبب رعشة في يديه لكبره في السن ولهول المصائب التي مر بها.. فقدانه لأبنه في الحرب العراقية الإيرانية.. مصائب لا يمكن حصرها بين قوسين حدثت نتيجة هذه الحرب الضروس.؟
كانت القوة الكهربائية قد انقطعت فأوقفت المراوح الأوتوماتيكية عن الحركة، تاركة بيت الخمر مقبض الصدر وحار جداً.. اصبح كريه الرائحة.. كريه الرائحة من الرجال ومن المصابيح النفطية ومن الويسكي الرخيص ومن السكائر ذات التبغ الرديء. كذلك من البخار العفن المنسل من مستنقع الشاي تحت أرضية البيت. كانت الشمس ما زالت تهف بحرارتها عصر ذلك اليوم من أحد أيام الصيف الكئيبة ولكن مع ذلك كانت نسمات من الهواء البارد العليل الآتية من البرية تجعلك تفكر وبعمق وبحسرات لا تنتهي ولو للحظات بالمستقبل.! إنها ليست المرة الأولى التي ينسى ساعته متروكة على الطاولة العتيقة المتكسرة
مشيرة إلى الثالثة والنصف عصراً، انه فعلاً بل حقاً وحقيقة واقعة الوقت الذي يتأكد فيه من الوقت.. لانه الوقت الذي تعود فيه أن يشرب بطل آو بطلين من البيرة، كان نسيانه بفعل الزمن الصعب،لتفكيره المستمر بالشراب والبيرة المثلجة والويسكي، وكان هذا الوقت غالياً عليه جداً وممتعاً الوقت الذي تعود فيه أن يختلي فيه مع نفسه، يراجع حسابات الماضي والحاضر التعيس، امور لا يمكن نسيانها يتذكر في مثل هذا الوقت و لايعرف هو نفسه لماذا يتذكرها في ذلك اليوم وفي كل يوم ومن بين الأرصفة المنبعجة والطرق المتسخة بمرح المساء وبينما كان يأخذ رشفة خفيفة من البيرة أثناء جلوسه برهة من الزمن على قارعة الطريق. تذكر إن هناك امور كثيرة تدفعه لشن ثورة على تصرفاته الغير معقولة. ومسألة التدخين من المسائل التي أقلقت تفكيره لمدة ليست بقصيرة. لذا قرر أن يترك التدخين، وبالفعل وعندما كانت الساعة تشير إلى السابعة في معسكر التدريب في الكَسك فرم علبة السيكائر بقلق يشبه البكاء وقرر إن يناضل جدياً في ترك أي شيء سيئ وخاصة التدخين، لم يتعشى ذلك المساء ولا في المساء الذي بعده حتى لا يشته سيكارة. مر تعداد الصباح في ساحة العرضات عليه بصعوبة لم يمر بها من قبل وصمم على النضال في ترك التدخين وجلس بعد صمت طويل مرت الدقائق كأنها قرون والثواني كأنها سنين وطأطأ رأسه وتذكر عبارته التي لطالما ذَكَرَ بها( لا أحد يستحق) هذا ما كان يشغل تفكيره لسبعة وسبعون سنه وخمسة اشهر وسبعة أيام وتأكد وبدون جدال في الموضوع وسجل في يومياته إلى الأبد انه لن يستطيع إن يعثر على صديق. ولكن تبين له إن الإرادة القوية وبالتضحية الحقيقية وعن قناعة نستطيع إن نحطم كل القيود وتحقيق كل المعجزات.. لذلك استطاع وبجدارة إن