تحقق الحلم ومارست حقي في انتخاب ممثلي الشعب

بكل حرية

حامد الحمداني                                                      28/1/2005 

 

اليوم يعتبر بحق اسعد أيام حياتي عندما تحقق الحلم الذي كان يراودني بأن أمارس بكل حرية حقي الذي حرمتني من ممارسته كل الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم في العراق منذ تأسيس ما سمي بالحكم الوطني .

فلم تكن الانتخابات في العهد الملكي تتمشى مع أبسط المعايير الديمقراطية ، ففي البداية كانت الانتخابات تجري على مرحلتين حيث يجري انتخاب المنتخبين الثانويين الذين يقومون بدورهم بانتخاب النواب إلى البرلمان ، وكان المنتخبون الثانويون واقعون تحت تأثير السلطة الحاكمة ، وينفذون إرادتها في اختيار ممثلي الشعب ، وهكذا كانت الانتخابات تجري كما تريد الحكومة والسفارة البريطانية  .

وبعد انتفاضة الشعب في تشرين الثاني 1952 ، وتحت الضغط الشعبي اضطرت الحكومة إلى تعديل قانون الانتخابات وجعلته على درجة واحدة [ انتخاب مباشر ] ، لكن التدخلات الحكومية استمرت بكل الوسائل والسبل ، وكانت أسماء المرشحين تُحددْ بالتشاور بين البلاط والسفارة البريطانية والحكومة ، وتجري الضغوط والتهديدات والاعتقالات والترهيب، وحل الأحزاب السياسية ، وإلغاء أجازات الصحف لمنع القوى الوطنية من التقدم للترشيح كي تأتي الانتخابات بالمجلس الذي تريده الحكومة والسفارة البريطانية.

وهكذا لم تكن في المجالس البرلمانية المنتخبة معارضة حقيقية ، بل كانت المعارضة من صلب الفئة الحاكمة التي تتداول على السلطة ،اللهم إلا بضعة نواب يعدون على أصابع اليد كانت تستطيع الوصول إلى قبة البرلمان .

وفي عام 1954 تشكلت جبهة وطنية لخوض الانتخابات ضمت الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب الاستقلال ، لكنها جوبهت بمضايقات شديدة وملاحقات للمرشحين ومارست الحكومة ضغوطات قاسية على الناخبين للحيلولة دون نجاح مرشحي الجبهة الوطنية .

ومع ذلك استطاعت الجبهة الوطنية إيصال 11 نائباً إلى البرلمان بعد جهد جهيد وصراع عنيف مع السلطة ، لكن حكومة نوري السعيد الذي شكل الوزارة بعد الانتخابات لم يستطع هضم وجود 11 نائباً معارضاً من بين 135 نائباً يشكلون البرلمان واستحصل إرادة ملكية بحله بعد خطاب العرش مباشرة ، وأقدم على حل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات وأغلق كافة الصحف ، وحال دون ترشح أي معارض، فكانت النتيجة الإتيان بمجلس دون أي منافس وأطلق الشعب عليه مجلس التزكية .  

أما بعد سقوط النظام الملكي على أثر قيام ثورة 14 تموز المجيدة  فلم يشهد العراق أي انتخابات لا على عهد ثورة 14 تموز ولا عهد إنقلابيي 8 شباط ، ولا عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف ، أما البعثيون في عهدهم الثاني والذي امتد من 17 تموز 1968 وحتى سقوط نظامهم الكريه في نيسان 2003 فكانت انتخاباتهم تمثل مهزلة المهازل ، فقد كان الترشيح يجري من قبل الحكومة ويكون حصراً بأعضاء حزب البعث بعد أن قمع النظام كافة الأحزاب السياسية بوسائل وحشية ذهب ضحيتها الألوف من الوطنيين ، وليس غريباً على العراقيين كيف كان يجري انتخاب صدام حسين تحت الخوف والرعب لتكون النتيجة 99،99 % ومن دون أن يكون هناك منافساً له ، والويل كل الويل لمن لا يصوت لصدام فالجلاوزة جاهزون لتلقين الرافضين دروساً لا ينسوها .

اليوم ولأول مرة بعد تلك العقود الماضية نشهد ونحن في دول المهجر انتخابات حضارية حرة ونزيهة لا تشوبها شائبة ، ومن دون أي تدخل من أي طرف كان ، وللمواطن ملئ الحرية في انتخاب الجهة التي يرى فيها أنها تمثله خير تمثيل .

لقد مارست حقي في الانتخاب بكل حرية ، ودون أية ضغوط ، لكنني رغم السعادة الغامرة التي شعرت بها وأنا أمارس حقي ، وأؤدي واجبي الوطني ، انتابتني حالة من الحزن والقلق على الظروف الصعبة بل والخطيرة التي سيتوجه في ظلها شعبنا في العراق لممارسة حقه الانتخابي .

فالعصابات البعثية الفاشية وحلفائها من قوى الظلام من أذناب بن لادن تمارس الجرائم البشعة لتخريب الانتخابات ، السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والتهديد بالقتل للمواطنين الذين سيتوجهون إلى صناديق الانتخابات بعد غد للحيلولة دون نجاح الانتخابات .

إن الديمقراطية ترعبهم لأنها تعني بكل تأكيد أن عهد الدكتاتورية والفاشية لن يجد له مكاناً في العراق ، وأن الشعب العراقي قد عقد العزم على بناء عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي يضمن الحقوق والحريات العامة للمواطنين ويلتزم بكل دقة بحقوق الإنسان وتحقيق الحياة الحرة الكريمة لسائر أبناء شعبنا .

سيصمد شعبنا أمام رياح الفاشية والظلام السوداء ، وسيتجاوز المحنة الحالية ، وسيقتلع الإرهاب والإرهابيين من جذورهم ، وهو مصمم على أن لا يسمح بعودة الماضي البغيض ، وتلك الوجوه القذرة التي سامته سوء العذاب طيلة 35 عاماً  مرة أخرى  .

سيبني شعبنا العظيم بسواعده الجبارة العراق الذي كان يحلم به ، عراق الديمقراطية والسلام والعيش الرغيد ، متحديا كل الصعاب ، فلقد انطلق قطار الحرية ولن تستطيع إيقافه قوى الظلام والفاشية ، وسيمضي شعبنا في طريق الحرية مردداً :

    مواكب النور إن ركضاً وإن خببا         لا بـــد بالغة في سـيرها الأربــا

    لا عفـــلقٌ مـــوقفٌ يوماً إرادتــها         ولا المجانينَ ممن أحرقوا الكتبا