في
الطريق إلى
بغداد (1)
بقلم
: علي الهندي
بعد تردد
دام أشهرا
متحججا تارة
بالوضع
الأمني وأخرى
بوضعي الاقتصادي
وغيرها من
الأعذار شددت العزم
على التوجه
إلى بغداد رغم
معارضة الأهل
والأصدقاء التي
أثارت لدي
الكثير من
التساؤلات: فهل يعقل
أن تعارض أم
وبشدة رؤية ابنها
البكر بعد
غياب سبع سنين
وأن
يتكبد
الأصدقاء
مشقة الاتصال
وتكلفته من أجل
محاولة
إقناعي
بالعدول عن
هذه الزيارة؟ كل هذه
الأمور
بالإضافة إلى
مشقة الطريق
لم تثنِني عما
عزمت عليه
وتوكلت.
ولم
أضيع وقتي
فبمجرد وصولي
سوريا وبعد
سويعات كنت على
متن الباص
المتوجه إلى
بغداد وهنا
بدأت رحلة
الخوف … فلقد
تلقيت نصائح وارشادات
مسبقة بأن أعزل
نفسي ولا أكلم أحدا خوفا
من أن يعلم
أحدهم بأني
قادم من أوربا
فيتخيلني
محملا
بآلاف
الدولارات
وتسول له نفسه
سرقتي أو اختطافي
ولا أخفيكم
سرا فقد
التصقت
بالنافذة
وتحاشيت
الكلام مع أي
من الراكبين
حتى حصل
المحظور قبيل
الحدود
السورية:
تعطل الباص
و اضطررنا
للانتظار
لمدة ست ساعات
في الصحراء
وهنا خرجت
مضطرا من
قمقمي لأختلط بالموجودين
الذين كانوا
يمثلون عراقا مصغرا
بكل أطيافه مثقفين
وبسطاء.. فتجاذبنا
أطراف الحديث
و بعد مرحلة
جس النبض تجرأت
و سألت
أحد
الموجودين
وكنت قد عرفت
مسبقا أنه
ضمن وفد من قبل
اتحاد نقابات
العمال
العراقي عن
بغداد
والعراق
الجديد
فاكتفى
بالقول: بأني
وبعد ساعات
قليلة سوف أصل و
أشاهد العراق
الجديد بأمِّ
عيني .
وفور
وصول الباص
البديل ركب
الكل وكان
التعب بادِ ِ
على محياهم, وبمجرد
حركة الباص
تقدم أحد
الركاب من
سائقه وفي يده
كاسيت طالبا
منه أن يشغله
ليستمع كل من
في الباص لما
فيه.
وتوقعت أن
تكون أغاني
عراقية جديدة
وعندي اشتياق
لها بعد غياب
السنين وإذا
به مقتل
الحسين عليه
وعلى آله
السلام؛ فهمست إلى
الجالس أمامي
هل نحن في
عاشوراء أم
ماذا فأجابني
هامسا أيضا ( إنها
ثقافة العراق
الجديد وسوف
تسمعه كثيرا خلال
زيارتك) ….
استغربت
الأمر خصوصا
وأنا من عائلة
شيعية ملتزمة
وكان جدي رحمه
الله يقيم
مجلس تعزية
طيلة عشرة عاشوراء
ونحتفل بيوم
الغدير كعيد
لنا وكنت أشارك
شخصيا في
الطقوس
الحسينية وأفهم
الدروس
العظيمة التي
قدمها الحسين
عليه السلام
بتضحيته والتي
لو استوعبها
الجميع لما
وصلنا إلى ما
وصلنا إليه؛ غير
أنى أذكر
أن كل هذه
الطقوس لها
أيام معينة
بعدها نرجع
لممارسة
حياتنا بشكل
اعتيادي؟!
وصلنا
أخيرا الحدود
العراقية و
هنا كانت الصدمة
حيث استقبلنا
مجموعة من
الأحداث
الذين أحاطوا
بنا آملين الاستعانة
بهم في عملية
نقل الحقائب
إلى منطقة
التفتيش
والحصول على
البقشيش؛ مَنْ الذي
عيَّنهم
أو سمح
لهم بدخول
المنطقة
الحدودية؟ وحده
الله يعلم .
وبعد وعد
من سائق الباص
بأنه لن يترك
الباص ويبقى
حارسا على
حقائبنا تجرَّأنا
على الذهاب
لختم جوازاتنا
ووجدنا
الفوضى عارمة
هناك..
وبعد نضال
مرير وصلت إلى
الموظف
المعني؛ وقد كان
جالسا خلف طاولة
وإلى
جواره طفل لا
يتجاوز العشر
سنوات يبدو أنه
ابنه أو أخوه
الله اعلم فنظر إلى جوازي
وقال:
أخي يجب أن
تراجع قسم
الوافدين الأجانب
لأن
جوازك أجنبي... ودلني
على
القسم
مشكورا...
ذهبت
لأجد شابين يجلسان
هناك أحدهم
شديد الشبه
بالموظف السابق
ربما أخوه أو
قريبه المهم أنه نظر إليَّ قائلا : كم سنة
غبت عن العراق
أخي؟
فأجبته: سبع سنوات؛ فأضاف: أكيد أنت مشتاق
إلى الأهل..
فأجبته: جدا والله... فقال لي: أخي من
المفروض أن
تأخذ حقنة
تلقيح صحي قبل
الدخول .. فأجبته
هذا هو
المفروض فما
هو المطلوب .. أجاب (
كلك نظر)...
فهمت المطلوب
مباشرة وقلت
له مع الأسف
لا أحمل
معي سوى ليرات
سورية فقال: ليرة
سورية,
دولار,
يورو كله يمشي...
فأخرجت له
مئتين وخمسون
ليرة سورية أي
ما يعادل خمس
دولارات. قال لي: استرح
أخي سوف أقوم
بإكمال جميع
الأمور عنك
انتظرني
دقائق فقط
وفعلا بعد خمس
دقائق جاء
الشاب حاملا
جوازي وهو
مختوم وجاهز
للمغادرة. بقيت
مشكلة إنزال
الحقائب
للتفتيش وهذه
حلها السائق
جزاه الله خيرا
لأنه
جمع من كل
راكب مائة
ليرة سورية
أي ما يعادل
دولارين وأعطاها
للمفتش الذي
سمح للباص
فورا بالمغادرة
, فإذا كنت أنا
العبد الفقيرإلى
الله استطعت
أن أدخل
العراق بدون
تفتيش وبكل
تقدير
واحترام مقابل
سبع دولارات
فلك عزيزي
القارئ أن تتخيل
ما يستطيع ذوي
النفوس
الضعيفة أن
يدخلوه
للعراق من
أسلحة ومتفجرات
وهم يدفعون
ملايين الدولارات
لإدامة حالة الفوضى
وعدم
الاستقرار في
العراق!!!
أدركنا
الليل ونحن
نعبر الموصل
متجهين إلى بغداد
حيث أن مسألة
الساعات التي
قضيناها بانتظار
الباص البديل
لم تكن محسوبة
والسير ليلا
على الطرق
الخارجية في
العراق مسألة
محفوفة بالمخاطر
فلقد علمت من بعض
الركاب ذوي
الخبرة بأننا يجب أنْ
نسير بسرعة
كبيرة
(وهي مسألة
مطلوبة حتى
يصعب استهداف
الباص)... لكننا
كنا بين
أمرين: فإذا فوجئنا
بمفرزة
أمريكية أو
رتل أمريكي
ولم نستطع
التوقف
بالوقت
المناسب فتلك
مصيبة وإذا استطعنا
التوقف
بالوقت
المناسب
واتضح بأنها
مفرزة قطاع
طرق أو ما
يسمى (مقاومة)
فالمصيبة أعظم؟!! وما
زاد الطين بلة
أن السائق
البديل وهو
سوري الجنسية
كان كما يبدو
من الشباب
المتحمسين ضد
الاحتلال الأمريكي
مما جعله لا
يأبه بوجود الرتل
الأمريكي
أمامه على الطريق
وأن
يستمر بنفس
سرعته محاولا تجاوزه
دون تخفيف
السرعة مما
دعا الركاب
وأنا معهم
بالصراخ
متوسلين إلى
السائق
بتخفيف سرعته... وقد تكررت
هذه الحالة
مرتين ولم نصل
إلى منطقة "المشاهدة" قرب
بغداد حتى كان
كل من في
الباص قد تشاهد وقراْ
نصف القرآن...
وهنا
بداْ نقاش
جديد يدور بين
الركاب حول
إمكانية الحصول
على سيارة
أجرة عند وصولنا
إلى بغداد
خصوصا وأن الساعة
قاربت على
الثانية عشرة
والنصف وهل سيكون
من الحكمة
الركوب في سيارة
أجرة قد يأخذك
سائقها في آخر
رحلة في حياتك
.. واسترسل بعض
الركاب في
الحديث عن التجارب
الأليمة التي
حدثت لأصدقاء
أو أقارب لهم
تعرضوا إما للقتل
أو للسرقة في أحسن
الأحوال عند استخدامهم
لسيارات
الأجرة في وقت
متأخر..
كنت مستمعا بكل
ثقة وشجاعة
حتى همست إلى
الجالس أمامي ما رأيك أن
نشترك في
سيارة أجرة وأدفع
حسابها أنا
على أن
توصلوني إلى
بيتي أولا…؟ لكنه اتضح
أن طريقه غير
طريقي وباءت
محاولتي
بالفشل .
دخلنا
بغداد التي
كان يلفها
ظلام حالك إلى
أن وصلنا طريق
مطار المثنى
الذي كان
منارا لوجود
قوات أمريكية
فيه حينه…
وحال وصولنا
كراج العلاوي توقف
الباص بقرب
مجموعة من
سيارات
الأجرة لكي
يسهل علينا
الأمور
ونزلنا لاستلام
حقائبنا أحاط
بنا سائقي
سيارات الأجرة
فحاولت أن
اختار وجها
صبوحا مطمئنا
من بينهم فلم
أجد واحترت
وفي أوج حيرتي
سمعت صوتا
ينادي باسمي
بين الجموع
وتصورت أني أحلم
فإذا بوالدي
وأخي يخرجون
من وسط الجموع
حيث كانوا قد
اتصلوا
بالشركة
الناقلة
واخبروهم
بالتأخيرالذي
تعرضنا له
والوقت
المتوقع
لوصولنا فكانوا
ولحسن حظي
بانتظاري...
وبدا
العناق بعد
فراق السنين ولوعة
الغربة
واصطحبوني
إلى البيت
وأنا مبتسم
…لماذا مبتسم
لا أدري…! .
انتهت
رحلة الذهاب و
اعذروني
لأني
لم أذكر
شيئا عن
مشاعري عند
دخولي بغداد
حيث أنى وبكل
أمانة وبعد
الصعوبات
والمخاطر
التي تعرضت
لها خلال
الرحلة لم أكن في
وضع يسمح
لمشاعري أن
تتحرك بأي
اتجاه .
انتظروني
في تفاصيل ما
حدث في بغداد
و إلى اللقاء في الجزء
الثاني من
حكابات الغريب
وغربته.